فصل: 22- باب النصيحة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تطريز رياض الصالحين



.20- باب في الدلالة عَلَى خير والدعاء إِلَى هدى أَوْ ضلالة:

قَالَ تَعَالَى: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [القصص: 87].
أي: ادع الناس إلى ربك بتوحيده وطاعته.
وَقالَ تَعَالَى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة} [النحل: 125].
الحكمة: القرآن، أي: ادع إلى دين الله بآيات القرآن ومواعظه، بلين ورفق وحُسْن خطاب.
وَقالَ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
وهذا الأمر عام في جميع الطاعات.
وَقالَ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104].
فيه: إشارة إلى أنَّ الدعاة إلى الخير أفضل الأمَّة.
173- وعن أَبي مسعود عُقبةَ بنِ عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ». رواه مسلم.
وأوله عن أبي مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أبدِع بي فاحملني. قال: «ما عندي». قال رجل: يَا رسول الله، أنا أدلّه على من يحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله».
174- وعن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدَىً، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَه، لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أجُورِهمْ شَيئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ، كَانَ عَلَيهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيئًا». رواه مسلم.
يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: 12، 13].
175- وعن أَبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ يوم خَيبَر: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رجلًا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيهِ، يُحبُّ اللهَ وَرَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَاهَا. فَلَمَّا أصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ يَرْجُو أنْ يُعْطَاهَا. فَقَالَ: «أينَ عَلِيُّ بنُ أَبي طالب؟» فقيلَ: يَا رسولَ الله، هُوَ يَشْتَكي عَيْنَيهِ. قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْه» فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ فَبَرِئَ حَتَّى كأنْ لَمْ يكُن بِهِ وَجَعٌ، فأعْطاهُ الرَّايَةَ. فقَالَ عَليٌّ رضي الله عنه: يَا رَسُول اللهِ، أقاتِلُهمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بسَاحَتهمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسْلاَمِ، وَأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
قوله: «يَدُوكُونَ»: أي يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ. وقوله: «رِسْلِكَ» بكسر الراءِ وبفتحها لغتانِ، والكسر أفصح.
في هذا الحديث: بيانُ فضل الدعاء إلى الهدى، وعظيمِ أجر من اهتدى بسببه أحد.
176- وعن أنس رضي الله عنه: أن فتىً مِنْ أسلم قَالَ: يَا رَسُول الله، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ وَلَيْسَ معي مَا أتَجَهَّز بِهِ، قَالَ: «ائتِ فُلاَنًا فإنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ» فَأتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: أعْطني الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ، فَقَالَ: يَا فُلاَنَةُ، أعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلا تَحْبِسي مِنْهُ شَيئًا، فَواللهِ لا تَحْبِسِين مِنْهُ شَيئًا فَيُبَاركَ لَكِ فِيهِ. رواه مسلم.
في هذا الحديث: أنَّ من نوى صرف شيء في خير وتعذَّر عليه، استُحبَّ له بذلك في خير آخر. ومناسبة الحديث للترجمة دلالته صلى الله عليه وسلم لذلك المنقطع على ذلك الذي تجهز ثم مرض.

.21- باب التعاون عَلَى البر والتقوى:

قَالَ الله تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالتعاون على الطاعات وترك المعاصي.
وَقالَ تَعَالَى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1- 3].
قَالَ الإمام الشافعي- رَحِمَهُ الله- كلامًا معناه: إنَّ النَّاسَ أَوْ أكثرَهم في غفلة عن تدبر هذِهِ السورة.
صرَّح بكلام الشافعي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فقال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم. يعني أنها تضمنت أحوال الناس، فأخبر تعالى أنَّ الناس كلهم في خسار إلا مَنْ آمن وعمل صالحًا وصبر.
177- وعن أَبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا في سَبيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازيًا في أهْلِهِ بِخَيرٍ فَقَدْ غَزَا». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
في هذا الحديث: أنَّ مَن أعان على فعل خير كان له مثل أجر عامله.
178- وعن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثًا إِلَى بني لِحْيَان مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالأجْرُ بَيْنَهُمَا». رواه مسلم.
في هذا الحديث: دلالة على أنَّ الغازي والخالف له بخير، أجرهما سواء.
179- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَقِيَ رَكْبًا بالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنتَ؟ قَالَ: «رَسُول الله»، فرفعت إِلَيْه امرأةٌ صبيًا، فَقَالَتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ». رواه مسلم.
في هذا الحديث: دليل على صحة حج الصبي وثبوت أجر وليِّه، ولا تجزيه عن حجة الإسلام.
180- وعن أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: «الخَازِنُ المُسْلِمُ الأمِينُ الَّذِي يُنفِذُ مَا أُمِرَ بِهِ فيُعْطيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أحَدُ المُتَصَدِّقين». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي رواية: «الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ» وضبطوا «المُتَصَدِّقَينِ» بفتح القاف مَعَ كسر النون عَلَى التثنية، وعكسه عَلَى الجمعِ وكلاهما صحيح.
نبّه صلى الله عليه وسلم بقوله: «كاملًا موفرًا طيبة بها نفسه». على ما هو الغالب على خزان المال من الطمع والعبوس والحسد، فمن فعل ذلك فهو أبخل البخلاء، ومن دفعه كاملًا بغير تكدير فله أجر المعطي.

.22- باب النصيحة:

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} [الحجرات: 10].
في التعبير بالأُخوَّة إيماء إلى تأكيد النصيحة.
وَقالَ تَعَالَى: إخبارًا عن نوحٍ صلى الله عليه وسلم: {وَأنْصَحُ لَكُمْ} [الأعراف: 62].
وعن هود صلى الله عليه وسلم: {وَأنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أمِينٌ} [الأعراف: 68].
قال بعض العلماء: علامة النصيحة ثلاث: اغتمام القلب بمصائب المسلمين، وبذل النصح لهم وإرشادهم إلى مصالحهم وإنْ جهلوا وكَرِهُوْهُ.
وأما الأحاديث:
181- فالأول: عن أَبي رُقَيَّةَ تَمِيم بن أوس الداريِّ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحةُ» قلنا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». رواه مسلم.
هذا الحديث: عليه مدار الإسلام، والنصيحةُ عماد الدين وقوامه.
فالنصيحة لله: الإيمان به، ونفي الشريك عنه، ووصفه بصفات الكمال، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه، والبعض فيه، وشكره على نعمه.
والنصيحة لكتابه: الإيمان بأنه تنزيله، وتلاوته، والعمل به، وتفهم علومه، وأمثاله.
والنصيحة لرسوله: تصديقه، وطاعته ونصرُ سنته.
والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم، وتنبيههم، وتذكيرهم برفق، وترك الخروج عليهم، والدعاء لهم.
والنصيحة لعامتهم: إرشادهم لمصالحهم في دينهم ودنياهم، وإعانتهم، وستر عوراتهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق.
182- الثاني: عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: بَايَعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى إقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
في هذا الحديث: وجوب النصيحة، وهي لازمة على قدر الحاجة، إذا علم الناصح أنه يُقبل نصحه وأمن على نفسه المكروه.
183- الثالث: عن أنس رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحبُّ لِنَفْسِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
في هذا الحديث: دليل على أنه لا يؤمن المسلم حتى يحب لأخيه من الخير والطاعات ما يحب لنفسه.
قال ابن الصلاح: وهذا قد يُعَدُّ من الصعب الممتنع، وليس كذلك. إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه. والقيام بذلك يحصل بأنْ يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا ينقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك يسهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل، عافانا الله من ذلك آمين.